العلاقة بين تنظيم العاطفة واضطرابات القلق

إنشاء بواسطة صبا كحلاوي في الاضطرابات النفسية 13 نوفمبر 2025
مشاركة

العلاقة بين تنظيم العاطفة واضطرابات القلق: لماذا نصارع قلقًا لا نفهمه؟


مقدمة


القلق هو شعور عام بالخشية، أو أن هناك مصيبة وشيكة الوقوع أو تهديدًا غير معلوم المصدر، مع شعور بالتوتر والشدة أو خوف لا مسوّغ له من الناحية الموضوعية. وغالبًا ما يتعلق هذا الخوف بالمستقبل والمجهول، كما يتضمن القلق استجابة مفرطة مبالغًا فيها لمواقف لا تمثل خطرًا حقيقيًا وقد لا تخرج عن إطار الحياة العادية، لكن الفرد الذي يعاني من القلق يستجيب لها غالبًا كما لو كانت تمثل خطرًا ملحًا ومواقف يصعب مواجهتها.




اضطرابات القلق


اضطرابات القلق هي حالة مرضية تتميز بقلق مستمر ومفرط، غالبًا غير متناسب مع الموقف أو مستمر حتى بدون سبب واضح، ويؤثر على جودة الحياة اليومية (يعيق العمل، الدراسة، العلاقات الاجتماعية، النشاطات اليومية...) ويستمر لمدة لا تقل عن 6 أشهر.
تُعد اضطرابات القلق من أكثر المشكلات النفسية انتشارًا في العالم، ويعاني منها ملايين الأشخاص بدرجات متفاوتة.
وتظهر الأبحاث الحديثة أن جذور هذه الاضطرابات لا تقتصر على العوامل البيولوجية أو البيئية فحسب، بل تمتد لتشمل آليات التنظيم العاطفي التي يعتمدها الفرد في مواجهة الضغوط والانفعالات السلبية، فضعف القدرة على تنظيم العواطف يعد عاملاً محوريًا في نشوء القلق واستمراره.




التنظيم العاطفي


يقصد بالتنظيم العاطفي مجموعة العمليات النفسية التي يستخدمها الفرد لمراقبة انفعالاته وتقييمها وتعديلها بطريقة تساعده على التكيف مع المواقف المختلفة، أي القدرة على التعرف على المشاعر وفهمها وإدارتها بشكل متوازن بحيث تُعبّر عنها في الوقت والموقف المناسبين.


فلنتعرف معًا على العلاقة بين التنظيم العاطفي واضطرابات القلق، وكيف يمكن للتدخلات النفسية أن تساعد في تحسين جودة الحياة وتقليل أعراض القلق.




آليات التنظيم العاطفي


كما أشرنا سابقًا، يشير التنظيم العاطفي إلى العمليات التي من خلالها يؤثر الأفراد في العواطف التي يمتلكونها، والكيفية التي يخبرون بها هذه العواطف أو يعبرون عنها.
ويشمل هذا:




  • الوعي بالمشاعر: إدراك ما نشعر به في الوقت الحقيقي.




  • تقييم المشاعر: فهم سبب الشعور بها وما إذا كانت الاستجابة مناسبة للموقف.




  • اختيار الاستراتيجيات المناسبة: استخدام وسائل صحية للتعامل مع العواطف مثل التأمل، إعادة التقييم، أو التعبير المناسب بدلًا من الكبت أو الانفعال العشوائي.




مثال:


شخص يواجه موقفًا محرجًا في العمل يستطيع عبر التنظيم العاطفي الاحتفاظ بهدوئه والتفكير بخطوة مقبولة، بينما آخر قد ينهار أو يبالغ في القلق.




وسائل واستراتيجيات التنظيم العاطفي


من أبرز الوسائل التي حددتها الأبحاث النفسية (خاصة نموذج جروس 1988):




  1. إعادة التقييم المعرفي: أي تغيير طريقة التفكير حول الموقف المثير للانفعال، مثل النظر إليه من زاوية مختلفة تقلل من حدته، وهي من أكثر الوسائل فعالية في خفض التوتر والقلق.




  2. الكبت: محاولة إخفاء أو منع التعبير عن المشاعر بعد حدوثها. قد ينجح مؤقتًا، لكنه يزيد الضغط الداخلي والقلق على المدى الطويل.




  3. تجنب المواقف: الابتعاد عن المواقف أو الأشخاص الذين يثيرون مشاعر سلبية. يُريح مؤقتًا لكنه يمنع التعلم والتكيف.




  4. طلب الدعم الاجتماعي: مشاركة المشاعر مع أشخاص موثوقين للحصول على فهم أو مساندة.




  5. الوعي الذاتي واليقظة الذهنية: ملاحظة المشاعر كما هي دون الحكم عليها أو محاولة كبتها، ما يساعد على تقليل الاندفاعية وتنظيم الاستجابات العاطفية.






أنواع التنظيم العاطفي


1. التنظيم العاطفي التكيفي (الإيجابي)


ويقصد به استخدام أساليب تساعد الفرد على التعامل الصحي مع مشاعره، مما يخفف من شدة الانفعالات السلبية ويعزز التوازن النفسي.


مثال عملي:
طالبة تشعر بالقلق قبل الامتحان لأنها تخشى الرسوب. بدلًا من الاستسلام للتوتر، تعيد تقييم الموقف فتفكر قائلة:
"لقد درست، والامتحان فرصة لأظهر ما تعلمته، حتى لو لم أحصل على الدرجة الكاملة فهذا لا يعني الفشل."
خفضت الطالبة من حدة قلقها وتمكنت من التركيز، وساعدها هذا التنظيم العاطفي على التعامل مع مشاعرها بطريقة بناءة حققت بها نتائج أفضل.


2. التنظيم العاطفي غير التكيفي (السلبي)


يشمل الاستراتيجيات التي قد تخفف المشاعر مؤقتًا لكنها تساهم في تفاقم القلق أو المشكلات النفسية على المدى الطويل مثل الكبت العاطفي، التجنب، والاجترار الفكري.


مثال عملي:
موظف يشعر بالغضب والإحباط بعد انتقاد مديره له في العمل. بدلًا من التعبير عن مشاعره أو محاولة فهم الموقف، اختار كبت مشاعره. يظهر هادئًا لكنه في الداخل يشعر بالاحتقان. تجاوز الموقف لحظيًا، لكن نتيجة التفكير المستمر يشعر بالقلق وخاصة عند الذهاب للعمل، مما يؤثر على دافعيته وإنجازه.




العلاقة بين ضعف التنظيم العاطفي والقلق


ضعف التنظيم العاطفي يجعل الشخص أكثر حساسية للمشاعر السلبية ويصعب عليه التعامل مع القلق عند ظهوره، ويظهر ذلك عبر:




  • الانتباه المفرط للتهديد: يركز الشخص على المخاطر المحتملة بدلاً من الوقائع الفعلية.




  • التفسير الكارثي للأحداث: تحويل موقف بسيط إلى كارثة محتملة.




  • التجنب السلوكي: الهروب من المواقف التي تسبب القلق، مما يضاعف المشكلة على المدى الطويل.




وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في التنظيم العاطفي غالبًا ما يظهرون مستويات أعلى من القلق الاجتماعي أو القلق العام أو نوبات الهلع.




دور العلاج المعرفي السلوكي (CBT)


من منظوره، يعتبر ضعف التنظيم العاطفي عاملًا أساسيًا في استمرار دوائر القلق، لأن الفرد يظل عالقًا بين الانفعال السلبي ومحاولات السيطرة غير الفعالة.
يركز العلاج المعرفي السلوكي على تعديل التفكير والسلوكيات التي تزيد القلق، ويُعلّم مهارات تنظيم العاطفة بشكل عملي.


من أبرز أدواته:




  • إعادة التقييم المعرفي: تحدي الأفكار السلبية وتحويلها إلى أفكار أكثر واقعية.




  • التعرض التدريجي للمواقف المقلقة: مواجهة الخوف خطوة بخطوة مع مراعاة المشاعر المصاحبة.




  • تدريب على مهارات اليقظة الذهنية والوعي بالمشاعر: ملاحظة المشاعر دون حكم أو كبت.






سمات وخصائص الأفراد ذوي التنظيم العاطفي


تشير الدراسات إلى أن الأفراد الذين يتعلمون كيفية التعرف على مشاعرهم والتعبير عنها وتنظيمها منذ مراحل مبكرة من العمر، هم أقل عرضة للإصابة باضطرابات القلق مستقبلًا.
تمكين الأفراد من اكتساب هذه المهارات لا يحد فقط من القلق، بل يعزز أيضًا قدراتهم على التكيف.


أهم الصفات التي يكتسبها هؤلاء الأفراد:




  1. المرونة في التعامل مع ضغوطات الحياة.




  2. النظرة الإيجابية والتفاؤل.




  3. القدرة على تكوين علاقات شخصية جيدة.




  4. القدرة على حل المشكلات بهدوء.






مهارات بسيطة لتنظيم العاطفة يمكن للقارئ تجربتها




  1. تسمية المشاعر: الوعي بالمشاعر هو الخطوة الأولى لتنظيمها.




  2. الحديث الذاتي الإيجابي: استخدام عبارات مطمئنة مثل "أستطيع التعامل مع هذا" أو "هذا شعور مؤقت".




  3. أخذ استراحة قصيرة: الابتعاد مؤقتًا عن الموقف عند الشعور بانفعال قوي.




  4. التنفس العميق والواعي: تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر فورًا.




  5. تقبّل المشاعر بدلًا من مقاومتها: التذكير بأن الشعور بالقلق أو الحزن طبيعي ومؤقت.




  6. العناية بالجسم: النوم الكافي، الأكل الصحي، وممارسة الرياضة.






خاتمة


القلق المستمر ليس ضعفًا شخصيًا، بل قد يكون نقصًا في مهارات التنظيم العاطفي.
ففهم مشاعرنا والتعامل معها بوعي هو مفتاح لتقليل القلق وتحسين نوعية الحياة.
طلب الدعم النفسي والتدريب على مهارات التنظيم العاطفي ليس ضعفًا، بل خطوة فعالة نحو حياة أكثر توازنًا.
ولا تزال العلاقة بين التنظيم العاطفي واضطرابات القلق مجالًا خصبًا للبحث.




المراجع العملية




  1. د. عبير حمدي، أسرار التحكم الذاتي في المشاعر والعواطف، مكتبة سما.




  2. د. خالد عبد المجيد، علم النفس العيادي.




  3. موقع الجمعية السعودية للصحة النفسية.




  4. موقع ويب طب: www.webteb.com




  5. كيرلس فليب، تحكم في مشاعرك، اتحكم في حياتك (كتاب رقمي)



التعليقات (0)

مشاركة

update.share_this_post_with_others