في زحام الأيام، حين نركض خلف ما نريد، ننسى ما بين أيدينا.
ننسى أننا نمشي على أرضٍ تحتضننا بجاذبيتها، وأن شمسًا تسكب دفئها علينا كل صباح دون أن تطلب شكرًا.
نغفل عن قمرٍ يرشدنا في العتمة، وشجرٍ يتنفس لأجلنا، وماءٍ يروي عطشنا، ودواءٍ يخفف وجعنا.
الامتنان ليس لحظة نُطلق فيها كلمة “الحمد لله” فحسب، بل هو فنّ البصيرة — أن نرى العاديّ بمعناه الاستثنائي، وأن ندرك أن تفاصيل الحياة الصغيرة هي في جوهرها معجزات عظيمة.
الامتنان هو أن نعيش ونحن نعلم أننا محاطون بالكرم الإلهي من كل الجهات، وأن نُصغي للعالم من حولنا وهو يهمس: كل شيءٍ في هذا الكون وُجد لأجلك، فابتسم وكن ممتنًّا.
الامتنان هو فنّ التوقّف عن العمى الجميل الذي صنعه التعود.
هو أن ترى ما تملك، قبل أن يُذكّرك الفقد بما فقدت.
هو أن تهمس للحياة في كل صباح: شكرًا لأنك ما زلتِ هنا... بكل هذا الجمال.
الامتنان هو أحد أكثر المشاعر الإنسانية نقاءً وقوة. إنه ذلك الشعور العميق الذي يغمرنا عندما ندرك قيمة ما نملكه، سواء كان أشخاصا في حياتنا، أو صحتنا، أو حتى اللحظات البسيطة التي نعتبرها أحيانًا أمرًا مفروغًا منه.
الامتنان هو شعور بالتقدير والعرفان تجاه ما نملكه أو ما نعيشه. إنه ليس مجرد رد فعل على فعل لطيف من شخص آخر، بل هو حالة من الوعي تسمح لنا برؤية الجمال في حياتنا اليومية.
عندما نكون ممتنين، ننظر إلى العالم بعين مليئة بالحب والتفاؤل، بدلا من التركيز على ما ينقصنا.
أشار (ايمونر) في دراسة شملت أكثر من ألف شخص حول فوائد الامتنان النفسية والجسمية والاجتماعية، حيث وجد أن للامتنان قوة عظيمة قد يغفلها بعض الناس البخلاء في تقديم مشاعر الشكر والمساعدة. وتظهر فوائد الامتنان في النواحي النفسية والجسمية والاجتماعية كالتالي:
فهو يعطى مستويات عالية من المشاعر الايجابية.
تقليل التوتر والقلق: عندما نركز على الأشياء التي نشعر بالامتنان لها، فإننا نقلل من حدة المشاعر السلبية مثل التوتر والقلق.
مثال: دراسة علمية أظهرت أن الأشخاص الذين يمارسون الامتنان بانتظام لديهم مستويات أقل من هرمون الكورتيزول.
زيادة السعادة: الامتنان يعزز إفراز هرمونات السعادة مثل الدوبامين والسيروتونين.
مثال: كتابة يوميات الامتنان لمدة 10 دقائق يوميًا يمكن أن يزيد من الشعور العام بالسعادة.
تحسين الصحة العقلية: الامتنان يساعد في تقليل أعراض الاكتئاب وزيادة التفاؤل.
مثال: الأشخاص الذين يعبرون عن امتنانهم بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب.
فهو ينشر العفو - السخاء - الرحمة، مما يجعلنا أكثر تسامحا.
إذ أظهر الأفراد الذين يقدمون الشكر والامتنان للآخرين أن لديهم جهازا مناعيا قويا، وهم أقل شعورا وأكثر تحملا للأوجاع والآلام، والنوم المريح.
ولابد أن يكون الامتنان في جميع أحوال الفرد في السراء والضراء، عندما يكون في أحسن حال وعندما يشعر بأنه في حال سيء، فالنعم التي ينعم بها الفرد لا تعد ولا تحصى.
فكما يقول أندرسون وجالاجار:
إنه يسهل التعبير عن الامتنان عندما تسير الأمور على نحو جيد في حياتنا، ولكن ما الذي يحدث عندما تخرج الأمور عن مسارها؟
بالنسبة لعديد من الناس يتبدد لديهم الامتنان عندما تخرج الأمور عما كانت عليه، وبدلا من الشعور بالامتنان يشعرون بخيبة الأمل، أو الخوف، أو الغضب، أو الكراهية، أو الصدمة، أو القلق، أو اليأس.
أشار كل من Cullough, Emmons & Tsang إلى وجود أربعة عناصر أساسية للامتنان:
شدة الامتنان
يختلف الأفراد في تعبيرهم عن الامتنان عندما يتعرضون لمواقف إيجابية.
تردد أو تكرار الامتنان
ويقصد به استخدام الامتنان عدة مرات باليوم في أبسط المواقف.
مدى الامتنان
وهو شمولية الامتنان لجميع نواحي الحياة.
كثافة الامتنان
ويقصد به عدد الأفراد الذين نشعر نحوهم بالامتنان مثل الآباء، الأصدقاء، العائلة، والأهم الامتنان إلى الله في جميع الأحوال.
تتمثل مكونات الامتنان في:
الإحساس الدافئ بتقدير شخص أو شيء ما.
الإحساس بالنية الحسنة نحو هذا الشخص أو هذا الشيء.
الاستعداد للتصرف بإيجابية، وبهذا الإحسان ينبع التقدير والنية الحسنة، ويدرك الشخص الممنون الحصول على منفعة أو فائدة من شخص آخر.
بحث علماء النفس عن خصائص الشخص الممتن، ووجدوا أن من خصائص الأشخاص الممتنين أنهم أقل أنانية وأكثر ميلاً نحو الاهتمام بالآخرين والتعاطف معهم.
وأكّدت دراسة (2002 Emmons, McCuiiough & Tsang) أن الأشخاص الممتنين:
يتصفون بالصدق.
يقدمون كلمات الشكر دائمًا.
يظهرون درجات عالية من نكران الذات.
يبادرون نحو المساعدة والتبرع وخدمة الناس.
يقدمون الهدايا والمنح تعبيرًا عن الامتنان.
كن ممتنا بما تهبه لك الحياة حتى لو كانت نعمًا صغيرة.
جرّب ذات مرة أن تستنشق الهواء بهدوء وعمق... ستجد الصفاء يغمرك.
إن وجودك في الحياة هو هديتك العظيمة.
عش ممتنًا لتعيش سلامًا فريدًا.
السعداء لا يمتلكون أفضل الأشياء، بل هم ممتنون بما لديهم.
ابدأ صغيرًا
حتى الأشياء الصغيرة يمكن أن تكون مصدرًا للامتنان.
استخدم التذكيرات
ضع ملاحظات لتذكيرك بممارسة الامتنان.
شارك امتنانك مع الآخرين
قولك "شكرًا" يبني جسورًا من المحبة.
ممارسة الامتنان لا تتطلب وقتًا طويلاً، لكنها تحدث فرقًا كبيرًا في حياتك.
يكفي أن نتوقف للحظة في نهاية يوم طويل لنكتب ثلاثة أشياء نشعر بالامتنان لها.
ربما ابتسامة، أو دفء الشمس، أو فرصة جديدة.
ستكتشف أن قلبك يلين وأن نظرتك للعالم تصبح أكثر صفاءً.
فالامتنان حين يُمارس بصدق يحول الأيام العادية إلى حياة مليئة بالمعنى.
ومع كل يوم جديد ستجد أن ثلاثة أشياء صغيرة كفيلة بأن تذكّرك بأنك ما زلت غنيًا... فقط لأنك ممتن.
كتب ومصادر عربية
الدسوقي، مهدي (2013). الرقص مع الحياة.
السعيداني، صبرين. فن الامتنان طريقك إلى السعادة الداخلية (د.ت).
أسلوب APA
المالكي، أريج مسفر أحمد، والكشكي، مجدة السيد علي. (2020). الامتنان وعلاقته بالاستمتاع بالحياة لدى عينة من كبار السن السعوديين. دراسات عربية في التربية وعلم النفس، ع124، 110-61.
ناصر، سلوي سعيد عبدالغني، وسعادة، مروة صلاح إبراهيم. (2023). الأمل والامتنان وعلاقتهم بالتفاؤل الأكاديمي لدى طلاب كلية الاقتصاد المنزلي. مجلة البحوث في مجالات التربية النوعية، ع45، 249-149.
منصور، إيناس محمد سليمان علي. (2025). الامتنان وعلاقته بالسكينة النفسية لدى عينة من طلبة الجامعة. مجلة كلية التربية، مج36، ع141، 553-582.
الفيلكاوي، حليمة إبراهيم أحمد. (2019). التسامح والامتنان بين الزوجين وعلاقته بالشعور بالرفاهة النفسية للأسرة. العلوم التربوية، مج27، ع48.
البيضاوي، آلاء هادي خريبط. (2020). الامتنان وعلاقته بجودة الحياة لدى أعضاء الهيئات التدريسية في المدارس الثانوية. رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة القادسية.